ابن كثير

224

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائة فيها دخل هرثمة بن أعين إلى خراسان نائبا عليها ، وقبض على علي بن عيسى فأخذ أمواله وحواصله وأركبه على بعير وجهه لذنبه ونادى عليه ببلاد خراسان ، وكتب إلى الرشيد بذلك فشكره على ذلك ، ثم أرسله إلى الرشيد بعد ذلك فحبس بداره ببغداد . وفيها ولى الرشيد ثابت بن نصر بن مالك نيابة الثغور فدخل بلاد الروم وفتح مطمورة . وفيها كان الصلح بين المسلمين والروم على يد ثابت بن نصر . وفيها خرجت الخرمية بالجبل وبلاد أذربيجان . فوجه الرشيد إليهم عبد الله بن مالك بن الهيثم الخزاعي في عشرة آلاف فارس فقتل منهم خلقا وأسر وسبى ذراريهم ، وقدم بهم بغداد فأمر له الرشيد بقتل الرجال منهم ، وبالذرية فبيعوا فيها . وكان قد غزاهم قبل ذلك خزيمة بن خازم . وفي ربيع الأول منها قدم الرشيد من الرقة إلى بغداد في السفن وقد استخلف على الرقة ابنه القاسم وبين يديه خزيمة بن خازم ، ومن نية الرشيد الذهاب إلى خراسان لغزو رافع بن ليث الذي كان قد خلع الطاعة واستحوذ على بلاد كثيرة من بلاد سمرقند وغيرها ، ثم خرج الرشيد في شعبان قاصدا خراسان ، واستخلف على بغداد ابنه محمدا الأمين ، وسأل المأمون من أبيه أن يخرج معه خوفا من غدر أخيه الأمين ، فأذن له فسار معه وقد شكا الرشيد في أثناء الطريق إلى بعض أمرائه جفاء بنيه الثلاثة الذين جعلهم ولاة العهد من بعده ، وأراه داء في جسده ، وقال إن لكل واحد من الأمين والمأمون والقاسم عندي عينا علي ، وهم يعدون أنفاسي ويتمنون انقضاء أيامي ، وذلك شر لهم لو كانوا يعلمون . فدعا له ذلك الأمير ثم أمر له الرشيد بالانصراف إلى عمله وودعه ، وكان آخر العهد به . وفيها تحرك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطف البصرة . وفيها قتل الرشيد الهيصم اليماني . ومات عيسى بن جعفر وهو يريد اللحاق بالرشيد فمات في الطريق . وفيها حج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور . وفيها توفي : إسماعيل بن جامع ابن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة ( 1 ) أبو القاسم ، أحد المشاهير بالغناء ، كان ممن يضرب به المثل ، وقد كان أولا يحفظ القرآن ثم صار إلى صناعة الغناء وترك القرآن ، وذكر عنه أبو الفرج بن علي بن الحسين صاحب الأغاني حكايات غريبة ، من ذلك أنه قال كنت يوما مشرفا من غرفة ( 2 ) بحران إذ أقبلت جارية سوداء معها قربة تستقي الماء ، فجلست ووضعت قربتها واندفعت تغني :

--> ( 1 ) اسم أبي وداعة : الحارث أسر يوم بدر وفداه ابنه المطلب بأربعة آلاف درهم . وهو أول أسير فدي يوم بدر . ( 2 ) في الأغاني 6 / 335 : مشرعة . والمشرعة مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون . وتسمي العرب المشرعة إذا كان الماء فيها لا انقطاع له كماء الأنهار .